الأخبارمدونة الناس

لإعادة النظر في مساحة العمل المدني

تعد مساحة العمل المدني أحد الركائز الأساسية في تحقيق التغيير وتطوير المجتمعات، إلا أنه في السياق السوري -وكوصف لتلك المساحة التي يظهر فيها تفاعل الفوضى مع الوضع الاقتصادي السيء مشكلاً بيئة غير مناسبة انعكست على مساحة العمل المدني، مخرجة إياها عن دائرة التأثير المطلوب- ما زال العمل المدني ضعيفاً مشوهاً لا يستطيع الوقوف على قدميه.

يرى البعض أن سوريا اليوم وخاصة المناطق خارج سيطرة النظام، هي صفحة بيضاء يمكن أن ترتسم عليها قيم الديمقراطية السائدة في الدول المتقدمة، والحجة في هذا الزعم أن هذه المناطق قد خرجت من ربقة الاستبداد، ولذلك يمكننا بناؤها قيمياً من الصفر، ولسان حالهم أن هذه المناطق هي أرض الأحلام لمن ضاق ذرعاً من نهج النظام الأمني الهمجي في تعامله مع السوريين.

من جهة أخرى يرى البعض الآخر أن سوريا اليوم لا يمكننا أن نفعل شيئاً فيها، فما زالت همجية النظام حاضرة في كل المناطق، ويرون أن المجتمع السوري تحول إلى مجتمع طليق، لا يعرف معنى التجمع في مؤسسة سياسية أو قانونية، وكأنه شعب “لَقاح” وفق الاصطلاح العربي القديم، شعب لا يدين لشيء ولا ينتظم في شيء، ولا يضبطه أي ضابط سياسي، وهو بحاجة إلى الترويض الشديد؛ ولسان الحال لمن يقول بهذا الرأي أن سوريا اليوم تُشعرنا بالسأم والعجز.

لكن كلا الرأيين يلتقيان في أن جميع مناطق سوريا تحكمها الحالة الطبيعية التي تسبق وجود الدولة، والمنطق السائد فيها هو منطق العصابة، ويزداد الأمر خطورة وبؤساً في غياب أي تطبيق للقانون رغم وجود نصوصه، إذ لا يحترم ولا يُعتبر، وفي أغلب الأحوال لا يدخل في حسابات كثير من المؤسسات والأفراد؛ والبيئة الثورية/الفوضوية السائد مناخها في سوريا، قد أطلقت المشاعر فيها العنان لنفسها بعيداً عن أي ضوابط قانونية أو أخلاقية.

وعليه فالحالة في الوقت الراهن هي الفوضى، التي تتفاعل مع الإرث الثقيل للنظام الاستبدادي الذي أثر كثيراً في المجتمع وفي قيمه، بسبب عقود من الاستبداد الذي قاعدته الفساد في كل المعاملات، وعنف شديد وصل إلى درجة الانطباع في اللاوعي، بحيث انعكست على المجتمع آثاره الثقافية والنفسية حين خرج ضد النظام، فصار كأنه نسخة عنه.

في ظل هذا الوضع تمثل مساحة المجتمع المدني حالة مشوهة كاذبة، شبيهة بالحالة التي تندرج ضمن نظرية فيلسوف الحضارة الألماني “أسوالد شبنغلر” والتي سماها “التشكل الكاذب”، وقصد بها النمو المشوه للمجتمعات الضعيفة على ضفاف الحضارات القديمة؛ فمساحة المجتمع المدني في مختلف مناطق السيطرة السورية ليست نابعة من طبيعة المجتمع السوري، وليست نتيجة حقيقية لقوى المجتمع المدني، بل هي امتداد لقوى المجتمع المدني الغربي ومثقلة بقيمه.

باختصار: مساحة المجتمع المدني في سوريا لا تحمل بنوّة المجتمع السوري، كما لم تتولد فيها القيم الديمقراطية بعد، وما زالت تحت التأثير النفسي للنظام الاستبدادي، وتحت تأثير فراغ التجربة الديموقراطية. لذلك ما زالت مهمة المجتمع المدني شاقة جداً، وبحاجة لوقت طويل نسبياً حتى يغير البيئة نحو الأفضل، مراكماً تجارب مدنية حقيقية معبرة عن المجتمع، بعيداً عن تأثره بميراث النظام السوري الاستبدادي وقوى المجتمع المدني الغربي على حد سواء.

مطلوب من المجتمع المدني والحال هذه أن تكون المساحة التي يشكلها نابعة من سمة التنوع التي يتميز بها المجتمع السوري، وأن تكون حصاداً لتفاعل قواه الذاتية، وقائمة على المواطنة المتساوية والمشتركات الثقافية التي تسمح بالتفاعل بين الهويات من دون قمع للخصوصية، وليست تقليداً أعمى لمساحات أخرى.

على أن الظروف المالية الصعبة التي يعيشها السوريون تفرض تحديات أخرى أمام العمل المدني، إذ يعدُّ الاهتمام بالقضايا الاجتماعية أمراً ثانوياً بالنسبة إليهم، فتركيزهم الأكبر منصب على تلبية احتياجاتهم الأساسية، ما يقلل من وقتهم وجهدهم للمساهمة في مجال العمل المدني، لدرجة أن كثيراً من الشباب السوري غير قادر على دفع تكاليف المواصلات للمشاركة في الأنشطة المدنية، خاصة ممن يقطنون في أرياف المدن، لأن مساحات العمل المدني لا تتركز في الأطراف، وهذا ما جعل تأثير تلك المساحات يقتصر على من له القدرة المادية الكافية، أو من يقطن المدن وله القدرة المالية أيضاً، وهم الفئة ذات العدد الأقل.

تربة الفقر والحاجة هذه فرغت مساحة العمل المدني من مضمونها، فالتطوع هو جوهر العمل المدني، ولأننا حديثو عهد بهذا الأمر فقد اقتصر التطوع على من له القدرة المادية فقط، أو من كُفي همّ تكاليف حياته. وبالتالي صار تأثير مساحة العمل المدني على علاته وتكوينه المشوه مرتبط بالاستقرار الاقتصادي لمن ينشط فيها فقط.

تظهر مساحة العمل المدني في سوريا مشوهة وكاذبة، حيث تعكس واقعاً معقداً يتأثر بتاريخ استبدادي طويل ومحاكاة متسرعة للمجتمع الغربي، ومن ثم تئن تحت ثقل تحديات كبيرة ناتجة عن غياب القانون وتأثيرات الظروف السياسية والاقتصادية السيئة للسوريين، الأمر الذي يتطلب إعادة النظر بكامل هذه المساحة وفلسفتها واهتماماتها وطرق تأثيرها.

تنويه: يعبِّر هذا المقال عن رأي كاتبه فقط، ولا يعبِّر بالضرورة عن رأي موقع هوز.

2 التعليقات

  1. تشخيص جميل للواقع والساحة الحالية.

  2. المقالة مشبعة بالأفكار الراقية و العميقة التي لا تنخدع بالمصطلحات الغربية ،
    حقاً أنا منبهر بأسلوب الكاتبة و وثقافتها الواسعة و فكرها الخصيب و لغتها الراقية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *